الراغب الأصفهاني
402
الذريعة إلى مكارم الشريعة
أحوال الناس في مراعاة أمور الدنيا والآخرة الناس في ذلك على ثلاثة أضرب : صنف هم المنهمكون في الدنيا بلا التفات منهم إلى العقبى ، وهم المسمّون عبدة الطاغوت ، وشر الدواب ، ونحوهما من الأسماء . وصنف مخالفون لهم غاية المخالفة ، يراعون العقبى من غير التفات منهم إلى مصالح الدنيا . وصنف متوسط بينهما قد وفوا الدارين حقهما . وهذا الصنف هم الأفضلون عند الحكماء ، لأن بهم قوام أسباب الدنيا والآخرة ، ومنهم عامة الأنبياء عليهم السّلام ، لأن اللّه تعالى بعثهم لإقامة مصالح المعاد والمعاش ، ولأن أمورهم مبنية على الاعتدال الذي هو أشرف الأحوال ، وأجدر أن يكون ثلاثتهم داخلين في قوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ، وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ « 1 » . فالمراعى للدنيا والآخرة على ما يحسن وكما يحسن هو من السابقين ، وقد جعل قوم السابقين النساك الذين رفضوا الدنيا بالكلية محتجين بقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » ، وقد خفي على هذا القائل أن أعظم عبادة اللّه تعالى ما يكون عائدا بمصالح عباده ، وقد روى ابن مسعود رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الخلق كلهم عيال اللّه
--> - فتح الباري / 11 / 233 . لكن الغزالي ذكرها على أنها عبارة للمسيح عليه السّلام ، وكذا ذكرها أحمد في الزهد . الزهد / 58 ، الإحياء / 13 / 119 طبعة 1351 ه . ( 1 ) الواقعة / 7 . ( 2 ) الذاريات / 56 .